كنت أظن في البداية أن العمل الحر يعتمد على الحظ.
أيام تأتيك فيها الطلبات بشكل غريب، وكأن الجميع قرر فجأة أنه يحتاجك في نفس اللحظة، وأيام أخرى لا يحدث فيها شيء إطلاقًا… كأنك غير موجود.

أذكر أنني في فترة من الفترات، كان لدي أكثر من عميل في نفس الوقت. هذا يريد تعديلًا، وذاك ينتظر التسليم، وآخر يتفاوض على مشروع جديد. كنت أقول لنفسي: "انتهت المشكلة… الأمور أصبحت مستقرة."
لكن ما إن انتهت تلك المشاريع، حتى دخلت في صمت طويل. لا رسائل، لا طلبات، لا شيء. جلست وقتًا ليس بالقصير وأنا أتساءل: ماذا حدث؟

بعد فترة بدأت ألاحظ شيئًا بسيطًا، لكنه مهم جدًا.
كلما انشغلت بالعمل، كنت أتوقف تمامًا عن البحث عن عمل جديد. لا أقدم على مشاريع، لا أحدث خدماتي، لا أنشر أي شيء. أقول في نفسي: "أنا مشغول الآن، يكفي هذا."
ثم عندما ينتهي كل شيء، أعود لنقطة الصفر.

وهنا فهمت المشكلة.

لم تكن المشكلة أن السوق سيئ، ولا أن العملاء اختفوا، بل أنني كنت أعمل بطريقة تجعل العمل يأتي على شكل موجات.
موجة قوية… ثم فراغ.

هناك نوع من المستقلين يعيش بهذه الطريقة دون أن ينتبه. ينشئ حسابه، ينشر خدماته، ثم يجلس منتظرًا. كلما جاءه عميل، عمل معه، ثم عاد لينتظر من جديد.
هو لا يدير عمله، بل ينتظر أن يحدث.

في المقابل، هناك من يفعل شيئًا مختلفًا، حتى لو لم يبدو واضحًا في البداية.
هو لا يتوقف. حتى وهو مشغول، يظل حاضرًا. ربما لا يقدم كثيرًا، لكنه لا يختفي. يرد على فرص، يحسّن ملفه، ينشر عملاً جديدًا، يتواصل مع عميل قديم.

الفرق بين الاثنين لا يظهر في يوم أو يومين، لكنه يظهر بعد أشهر.
الأول يعيش قلقًا مستمرًا: "متى يأتي العمل التالي؟"
والثاني، حتى إن هدأت الأمور قليلًا، لا يشعر بنفس الفراغ، لأن هناك دائمًا شيئًا يتحرك في الخلفية.

تعلمت مع الوقت أن المسألة ليست أن تعمل أكثر، بل أن لا تتوقف تمامًا.
حتى في أكثر الأوقات ازدحامًا، هناك أشياء صغيرة يمكن فعلها:
تنشر عملاً انتهيت منه، ترد على مشروع مناسب، أو حتى ترسل رسالة بسيطة لعميل سابق تسأله إن كان لديه شيء جديد.

الغريب أن هذه الأشياء الصغيرة، التي كنت أؤجلها دائمًا، هي التي تصنع الفرق الحقيقي.
هي التي تمنع ذلك الصمت الطويل الذي يأتي فجأة.

العمل الحر ليس خطًا مستقيمًا، وهذا طبيعي. لكن أن تتحول حياتك بين ضغط شديد وفراغ تام… هذا ليس قدرًا لا يمكن تغييره.
في كثير من الأحيان، هو مجرد نتيجة لطريقة عملنا.

حين تفهم هذه الفكرة، يتغير كل شيء بهدوء.
لا تختفي فترات الهدوء تمامًا، لكنها تصبح أخف، أقصر، وأقل قلقًا.

والأهم أنك لم تعد تنتظر العمل… بل بدأت تمشي نحوه.

عن الموضوع

التعليقات (3)

منذ ساعة و56 دقيقة
ماشاء الله منشور جيد واستفدت منه شكرا
منذ ساعة و39 دقيقة
المشكلة بخمسات و خوارزميتها
بالاضافة الى ما تفضلت به
منذ ساعة و18 دقيقة
منشور ممتاز حقا رد علي كل تسأل في بالي شكرا لك
وكل التوفيق

أضف تعليق

سجّل دخول لتتمكن من إضافة تعليق على هذا الموضوع.

عن الموضوع