كيف تصل إلى أسلوبك الكتابي الخاص و الفريد؟ الأسلوب هو الطريقة الفريدة التي تميز كتابة كل شخص عن الآخر، و لا يمكن لأحد، مهما حاول أن يقلد أسلوب أحدهم، أن ينسخه تمامًا. فالأسلوب شيء جوهري، و انعكاس لذات منشئه و روحه و حياته و تجاربِه و عقله و قلبه، لذا فهو نقطة الالتقاء الفريدة التي يستحيل تكرارها، مثله مثل بصمة الإصبع. يقول بوفون: «الأسلوب هو الرجل نفسه». و منذ عرفنا فرادة الأسلوب، صار علينا أن نعلم كيف يستطيع كل امرئ أن يصقل تلك الفرادة و يحولها إلى جوهرة حسنة للتلقي، دون أن يفقدها حقيقتها أو يحولها إلى شيء مصطنع. لكن أول ما ينبغي فهمه هو أن الأسلوب لا يُخترع. لا يمكنك أن تجلس أمام ورقة بيضاء و تقرر أنك ستكتب بأسلوب سوداوي، أو شاعري، أو فلسفي، ثم تشرع في البحث عن الكلمات التي تمنح نصك هذه الصفات. قد تنتج بذلك نصًا يحمل ملامح أسلوب ما، لكنه لن يكون أسلوبك أنت، لأن الأسلوب لا يبدأ من اللغة، و إنما من الطريقة التي ترى بها الأشياء. هناك أشخاص يرون الشجرة، و آخرون يرون ظلها، و آخرون يتساءلون عن عمرها، و آخرون لا يلتفتون إليها أصلًا. الشيء واحد، لكن النظرة إليه مختلفة؛ و من هذه النظرة تبدأ الكتابة. لذلك فإن أول خطوة نحو امتلاك أسلوب خاص هي أن تعرف كيف تنظر. راقب ما يستوقفك دون غيرك. ما التفاصيل التي تلتقطها عيناك تلقائيًا؟ ما الذي يثير غضبك؟ ما الذي يبعث فيك الحنين؟ ما الأشياء التي تراها جميلة، حتى حين لا يراها الآخرون كذلك؟ حين تقرأ نصًا، أي الجمل تبقى في رأسك؟ و حين تعيش تجربة ما، ما الجزء الذي تظل تفكر فيه بعد أن ينتهي كل شيء؟ هذه الأشياء ليست هامشية كما تبدو. فهي المادة الخام لأسلوبك. ثم تأتي القراءة، و هي أكثر ما يخطئ الناس في فهم علاقتها بالأسلوب. بعض الكتّاب المبتدئين يخشون من قراءة كاتب يعجبهم كثيرًا، خوفًا من أن يتأثروا به و يقلدوه. و هذا الخوف غير ضروري؛ لأن التأثر مرحلة طبيعية في تكوين الكاتب. في البداية، نحن نكتب كما قرأنا. نستعير تراكيب أعجبتنا، و نكرر إيقاعات أحببناها، و نستخدم صورًا شعرية وجدناها عند كاتب آخر. و هذا ليس سرقة أدبية بالضرورة، بل مرحلة من مراحل التكوين، تمامًا كما يتعلم الرسام من تقليد اللوحات قبل أن يجد يده الخاصة. اقرأ كثيرًا، و اقرأ المختلفين عن بعضهم. اقرأ كاتبًا يكتب بجمل طويلة، ثم اقرأ آخر يكتب بجمل مقتضبة. اقرأ الشعر، و الرواية، و المقالة، و اليوميات، و الفلسفة، و حتى النصوص التي لا تنتمي إلى الأدب. و كلما اتسعت قراءاتك، اتسعت إمكاناتك التعبيرية، و أصبح من الصعب أن تختزل لغتك في صوت واحد مستعار. و مع الوقت، يحدث شيء مهم: تبدأ الأصوات التي أثرت فيك بالامتزاج داخل ذهنك، ثم تنفصل عنها تدريجيًا. و ما كان تقليدًا من آخرين يصبح اختيارًا منك. و هنا نصل إلى عنصر آخر بالغ الأهمية: المفردات. ليس امتلاك قاموس ضخم هو ما يجعل الكاتب صاحب أسلوب، كما أن استخدام الكلمات الغريبة لا يجعل النص أدبيًا. الكاتب المتمكن ليس الذي يعرف عدد ضخم من الكلمات، بل هو الذي يعرف الكلمة التي يجب أن توضع هنا بالذات. فبدل أن تكتب: «كان حزينًا» تكتب وصفًا يجعل القارئ يدرك حزنه دون أن تخبره به. و الأسلوب يظهر جليا هنا! في قدرتك على اختيار اللفظ، و ترتيب الجملة، و تحديد ما يجب قوله و ما يجب السكوت عنه. حاول دائما أن يكون هدفك هو جعل لغتك دقيقة لا أدبية فاللغة المتأنقة المليئ بالمحسنات تخفي فكرة ضعيفة ، لكن اللغة الدقيقة غالبًا ما تكشف فكرة قوية. فلا تستخدم استعارة لأنك قادر على استخدامها، أو كلمة نادرة لأنك تعرف معناها، و لا جملة طويلة لأن الجمل الطويلة تبدو أكثر أدبية. اسأل نفسك دائمًا: هل هذه الكلمة هي التي كنت سأختارها لو لم يكن هناك قارئ؟ و هل هذه الجملة تعبّر فعلًا عما أريد، أم أنها تحاول أن تبدو جميلة؟ و هناك شيء آخر لا يقل أهمية عن اللغة نفسها: الإيقاع. لكل كاتب إيقاعه، حتى إن لم ينتبه إليه. هناك من يكتب كأنه يركض؛ جمل متلاحقة، فواصل قليلة، أفكار تتدافع فوق بعضها. و هناك من يكتب ببطء؛ يمنح الجملة وقتًا كي تستقر، و يترك بينها و بين التالية مساحة من الصمت. بعض الكتاب يميلون إلى التكرار، و بعضهم إلى الحذف، بعضهم يحب الجمل القصيرة الحادة، و بعضهم يجد نفسه في الجمل الطويلة المتعرجة. هذا الإيقاع جزء من شخصية الكاتب نفسها. اقرأ نصك بصوت مرتفع. ستكتشف أحيانًا أن الجملة التي تبدو جميلة على الورق ثقيلة في الفم، و أن جملة أخرى تملك موسيقى لم تكن تراها بعينيك. الكتابة في نهاية الأمر ليست مجرد معنى و إنما حركة، تنفس، توقف، سرعة، بطء، صعود و هبوط! من هنا تأتي الممارسة. لا يمكن أن تكتشف أسلوبك بمجرد التفكير فيه. أسلوبك يظهر من كثرة الكتابة. اكتب كثيرًا، ثم عد إلى ما كتبت بعد فترة من الزمن. ستلاحظ أشياء تتكرر دون أن تتعمدها: مفردات بعينها، صورًا معينة، موضوعات تعود إليها، نوعًا خاصًا من الجمل، حتى طريقة معينة في النظر إلى الشخصيات و الأحداث. هذه التكرارات هي من أكثر الأدلة صدقًا على صوتك، لأنها ظهرت منك قبل أن تحاول صناعتها. ثم ابدأ بالتنقيح. احذف ما لا حاجة له. بدّل كلمة بأدق منها. قصّ الجملة حين تطول بلا ضرورة. اترك الصورة حين تكون حية، و احذفها حين تصبح استعراضًا. لا تتعامل مع كل جملة كتبتها و كأنها مقدسة. إن الكاتب الحقيقي هو الذي لا يتعلق بما كتبه، بل يهتم بما يريد قوله. أيضا، عليك الحذر من الافراط في التنقيح حتى تموت عفوية النص. لا ينبغي أن يبدو الاسلوب مصقولا إلى درجة تفقده ملامحه، و إنما كشيء حي، له خشونته ، و تعرجاته، و نبرته الخاصة. و أهم ما في الأمر كله: لا تحاول أن تكون مختلفًا. الفرادة لا تأتي من أن تقول أشياء لم يقلها أحد من قبل، فهذا يكاد يكون مستحيلًا. إنها تأتي من أن تقول ما قيل من قبل بالطريقة التي لا يستطيع قولها سواك. الحب، و الخوف، و الفقد، و الوحدة، و الموت، و الرغبة، و الغيرة، و الحنين ، كلها موضوعات قديمة قدم الإنسان نفسه. و مع ذلك لا نتوقف عن قراءة آلاف النصوص عنها، لأن التجربة الإنسانية الواحدة لا تُعاش بالطريقة نفسها مرتين. و هذا هو سر الأسلوب. اكتب. اقرأ. و اكتب من جديد. اجعل قراءتك أوسع من أن تكون تابعًا لكاتب واحد، و تجربتك أعمق من أن تكون مجرد مجموعة أفكار مستعارة، و لغتك أصدق من أن تكون محاولة لإبهار أحد. و في مرحلة ما، ستقرأ نصًا قديمًا لك، و تعرف فورًا أنه لك، قبل أن ترى اسمك في أسفله. عندها فقط يمكنك أن تقول إنك بدأت تمتلك أسلوبك.