المشهد الأخير
في أرض بعيدة ، أبعد من ما تتصور الخرائط ، و أقسى من ما تحكيه الأساطير ، وُجد ملك بغرابته لم يكن ، فلا يُسكَر بالذهب ، و لا يُطرب للسلطة ، أو يلهث خلف الحروب ، كان ملكا مهووسا بشيء آخر تماما ، مهووس بالأفلام و التمثيل …
منذ صغره كان يراقب المشاهد على الشاشات و خشبة المسارح و يشعر بالغضب .
لما البطل يموت ثم ينهض مبتسما أمام الكاميرا ؟ لما الدماء تُسكَب من زجاج ملون بدل قلب نابض ؟
طالما اعتبرها خيانة للفن و خداعا رخيصا للجمهور ، و إهانة لفكرة القصة الحقيقية .
بالنسبة له لا قيمة للتمثيل ما لم يكن هناك موت فعلي .
كبر و كبر معه هذا الهوس ليصير مرضا ثم سلاحا ، ليقرر أنه سيكون المخرج و الكاتب و البطل و الشرير .
و بعد أن نُصِّب ملكا على الشعب ، جعل من مملكته مسرحا لأفلامه و كل سكانها خاضعون لجبروته .
يختار واحدا منهم كضحية لفيلمه ، تُقرَعُ الطبول و يُعلَنُ بدأ التصوير ، تحول حياة ذاك التعيس لفيلم جديد ، و لكن بفارق واحد : النهاية لم تكن خدعة فالموت كان الحقيقة الوحيدة فلم ينج أحد من قبل ، وكل من وقع عليه الاختيار انتهى دوره بمشهد أخير … قبر بلا اسم… و صفحة تطوى بلا رجعة .
و في يوم من الأيام وقع الاختيار على ذاك الشاب البسيط ، لا سلاح له و لا سلطة ، مجرد روح صغيرة في بحر كبير .
لم يكن يعلم أن حياته ستنقلب إلى فيلم دموي جديد ، و أن اسمه سيسجل كبطل القصة القادمة .

وقف أمام الملك الظالم ، و الجموع من حوله تحبس أنفاسها .
كان يعرف جيدا أن كل من سبقه انتهى به المطاف جسدا بلا روح ، و أن القرار مجرد وهم .
أُتيح له خيارين لا ثالث لهما :
إما أن يقبل التمثيل تحت رحمة الملك حتى يلقى حتفه ، أو أن يحاول الهرب … ليلحق به الحراس و يُقتل بلا رحمة .
ركض و السهام خلفه تلاحقه كزخات مطر من نار ، و لأول مرة في تاريخ المملكة لم يصبه سهم و لم تلحق به الأيادي الحديدية للحراس .
ركض حتى جف حلقه و تقطعت أنفاسه ، بلغ الغابة المظلمة المعروفة بمقبرة الظلال ، و ذلك لأن كل من يدخلها لا يُعرف عنه أثر بعدها أبدا .
كانت الأصوات تحيط به من كل جانب : زئير ، عواء ، حفيف أوراق كأنها أنفاس وحوش تنتظره .
الليل بدأ يسدل ستاره ، البرد يتسلل لعظامه ، و هو جالس منهك ، مغمض العينين و مستسلم للموت .
لكن فجأة ، انبثق أمامه ضوء غريب …
كان بداية كنجمة صغيرة ، ليكبر شيئا فشيئا ، حتى صار بحجم يد ّ، و من قلبه خرجت جنيتان صغيرتان : واحدة شابة ، فاتنة الجمال ، شعرها منسدل كالحرير و عينانها كزمرد صاف ، جلست بخفة تعبث بخصلات شعره ، أما الأخرى عجوز ، و لكن بملامح مهيبة ، كأنها تحمل كل حكم العالم في نظرتها .
وقفت على يده التي بسطها أمامها ، ثم سألته بصوت دافئ : " أيها البشري … ما الذي أثقل روحك حتى أوشكت أن تنكسر ؟ "
حكى قصته ، و كيف كان مطاردا ، و حين أنهى كلامه ، تبادلت الجنيتان نظرات صامتة ، ثم أطلقت العجوز همهمة خفيفة : " إنه طيب القلب . نستطيع أن نثق به "
أومأت الشابة بالموافقة و رفعت يدها ، أطلقت عليه سحرا جعل جسده صغيرا بحجمهما تماما .
مسحت العجوز على رأسه و بلمسة سحرية خفيفة أفقدته الوعي و انتقلا به إلى عالم لم تره عين بشر من قبل .

كانت مملكة الجنيات أشبه بحلم يقظ .
قصور من نور ، أشجار أوراقها من زمرد ، أنهار تتدفق فيها ألوان بدل الماء ، و أصوات موسيقى خفية تنبعث من كل مكان .
و هناك التقى بحاكمهم ، لم تكن ملكة كما نُقِلَ عن الأساطير … بل ملك …
ملك شاب ببنية معتدلة و طول مهيب ، حسن الوجه و قوي الحضور ، شعره طويل أسود كالليل ، و عيناه لامعتان كسيفين ، يرتدي ثوبا بنفسجيا أنيقا مطرزا بخيوط من الذهب الخالص . يزين أعلى رأسه تاج مرصع بالألماس و يضيء بضياء غامض ، أما يده فحملت صولجانا لا يقل عظمة و تناسقا معه ، يوحي بقوته الكبيرة .
لكن ما كان أكثر الفاتا لنظر الشاب هو أن كل فرد من المملكة يحمل صولجانه الخاص ، سواء كبيرا أو صغيرا ، يعكس كل منهم قوة لا تقاس .
جلس الملك على عرشه و بصوت عميق ملأ القاعة قال : " سمعت قصتك أيها البشري، و لن أخفيك سرا : نحن نحتاجك هنا في مملكتنا من أجل القيام ببعض الأعمال و التي لا يقدر عليها إلا بشري بصفاتك . ستبقى بيننا مدة ، تؤدي ما يُطلب منك ثم حين يحين الوقت ، سأفي بوعدي و أقف معك ضد الملك الظالم "
و هكذا بدأت رحلة الشاب في خدمة مملكة الجنيات ، أعمال لم يكن ليتخيلها : مهام دقيقة ، ألغاز و حراسة أسرار لا يعرف معناها …
و مع كل يوم يمضي كان يشعر أنه يقترب أكثر من مصيره المحتوم .

كان الملك الجني معروفًا بين شعبه بقوة لا تُقاس.
يقال إنه إذا رفع صولجانه اهتزت الأرض، وإذا غضب انطفأت النجوم.
لكن تلك القوة كانت مقيدة بأسطورة قديمة، أسطورة كتبت على جدران مملكة الجنيات منذ آلاف السنين:
"من يخرج من أرض النور، يذبل قلبه ويخور جسده، إلا إذا كان خروجه لأجل الخير الأعظم."
لم يجرؤ أحد على اختبار هذه الأسطورة من قبل، ولا حتى الملك نفسه.
لكن حين جاء وقت مواجهة الملك البشري الظالم، لم يتردد لحظة.
ترك صولجانه، ودّع شعبه، وخرج من أرضه وهو واثق أن قوته ستكفي لتحطيم طاغية البشر.
ومع كل خطوة يبتعد بها عن مملكته، كان يشعر بجسده يثقل، وأنفاسه تضيق.
في البداية كان الألم محتملاً، لكن حين اقترب من أرض الملك البشري، بدأ دمه يتسرب من فمه كسيل أحمر يلوث شفتيه الملكيتين.
رغم ذلك، ظل واقفًا شامخًا، يخفي وجعه عن أعدائه، ويكابر كملك حقيقي.
حين وصل إلى قصر الملك البشري، وقف هذا الأخير مبتسمًا ابتسامة باردة، كعادته حين يستعد لتصوير فيلم جديد.
رفع يده، وأشار إلى الجنود كي يفتحوا الساحة كخشبة مسرح.
ثم قال بصوت مرتفع:
"أخيرًا… وُجد خصم يستحق أن يكتب عنه فيلم! أيها الملك الغريب… قصتنا هذه ستكون عن صراع بين ملكين، ولن تنتهي إلا بموت أحدنا."
ابتسم الملك الجني ببرود، رغم الألم الذي كان يمزق صدره.
"لن تكون النهاية كما تريدها يا طاغية."
اندلع القتال.
في بدايته، كان الجني يعادل الملك البشري قوةً بضربات صاعقة وصرخات كأنها تأتي من قلب العواصف.
لكن سرعان ما بدأت قوته تخبو.
الصولجان تركه في مملكته، وحجمه تضاعف عليه، واللعنة تشتد كلما ابتعد.
ركع على ركبتيه، والدم يسيل من فمه، بينما الملك البشري يضحك بصوت عالٍ كالمجنون.
"أرأيتم؟!" صاح الملك البشري، وهو يوجه كلامه لحراسه وكأنه يكلم جمهورًا غير موجود.
"هكذا يُكتب فيلم عظيم! ملك عظيم… يسقط تحت يدي، مشهد لن ينساه التاريخ!"
بدأ بتعذيبه.
قيود من حديد، سياط نارية، وضربات تُدوّي كالرعد.
كل مرة ينهار فيها الملك الجني، كان البشري يأمر بإعادة المشهد وكأنه مخرج يطمع في لقطة مثالية.
لكن هذه المرة… لم يكن هناك تمثيل. كان الألم حقيقيًا، والدم حقيقيًا.
مرت الأيام، ولم يعد الملك إلى مملكته.
القلق دبّ في قلوب شعب الجنيات.
حتى قرر خادمه المخلص، أحد أشجع رجاله، أن يخرج بحثًا عنه.
وبالفعل، وجده ملقى على الأرض، جسده محطم، ودماؤه تغمر الرمال.
اقترب الخادم، فركع بجانبه وهو يجهش بالبكاء، ثم همس:
"مولاي… سامحني على تأخري."
عاد الخادم مسرعًا إلى المملكة، ومعه حشد من الأطباء وحملة الصولجانات.
حملوا معهم صولجان الملك، وكسروا قيود الأسطورة لأول مرة منذ آلاف السنين.
وضعوا الصولجان بين يديه، وسكبوا العلاج السحري على جسده.
في ثوانٍ قليلة… اشتعل نور عظيم، ارتجفت الأرض، وشُفي الملك كأنه لم يُمسّ بسوء.
استعاد هيبته، عادت القوة إلى عينيه، ووقف شامخًا من جديد.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن في شفائه فقط، بل في اكتشاف بند آخر للأسطورة… بند لم يقرأه أحد من قبل:
"إن خرج الصولجان من المملكة لأجل الخير الأعظم، فلن تُسلب القوة… بل تتضاعف."
حين فهم الملك هذا السر، ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة.
أما الملك البشري، حين رأى بأم عينه هذه العودة المعجزة، ارتجف قلبه لأول مرة منذ وُلد.
قال وهو يتراجع خطوة للوراء:
"مستحيل…! هذه ليست قصة كتبتها أنا!"
لكن الأوان كان قد فات…
الموازين انقلبت.
الكفة رجحت، والساحة تحولت من مسرح دموي إلى ساحة انتقام حقيقي.
حين استعاد الملك الجني قوته، انقلبت الموازين رأسًا على عقب.
الساحة التي كانت منذ قليل مسرحًا لتعذيب ملك مريض، صارت الآن ساحة معركة أسطورية.
السماء اشتعلت بالبرق، والأرض ارتجفت تحت وقع الصولجان، والملك البشري لأول مرة أحس أن الكاميرا ليست في يده… بل في يد القدر.
رفع الملك الجني صولجانه، اندفع بقوة لم يشهد لها العالم مثيلاً، وجعل البشري يتقهقر إلى الخلف.
كل ضربة كانت تمزق غروره، كل صاعقة كانت تكتب نهاية فيلمه الأبدي.
لكن… البشري لم يستسلم.
صرخ بصوت مجنون:
"هذه قصتي أنا! لن أسمح لأحد بتغيير السيناريو!"
وبخدعة ماكرة، أطلق سيفه المسحور في اتجاه الملك الجني، إصابة لم تكن قاتلة لكنها كفت لإبطاءه.
ضحك الطاغية، شعر للحظة أنه استعاد زمام الأمور.
لكن هنا… تقدم الشاب.
ذلك الشاب الذي كان في يوم من الأيام مجرد ضحية، مجرد اسم جديد على قائمة الملك البشري.
اقترب ببطء، عيناه مشتعلة، يديه ترتجفان من الغضب لا من الخوف.
تذكر كل الليالي التي كان ينتظر فيها الموت، كل الصرخات التي سمعها من ضحايا سابقين، كل لحظة عاشها في ظلام القصر الملعون.
اقترب أكثر، التقط سيفًا سقط من أحد الجنود، ووقف أمام الملك البشري الذي لم يعره اهتمامًا في البداية.
لكن حين لمح النار في عينيه، أدرك متأخرًا أن نهايته قادمة من حيث لم يتوقع.
قال الشاب بصوت عميق:
"هذه ليست قصتك بعد الآن… هذه نهايتك."
وبكل ما تبقى له من قوة، غرس السيف في صدر الملك البشري.
صرخة مدوية ملأت القصر، عيناه اتسعتا، وكأنه لا يصدق أن النهاية لم تُكتب بيده هذه المرة.
انهار على الأرض، والدم يغمر ثيابه الملكية، بينما يدوّي صدى ضحكاته الأخيرة باهتًا حتى اختفى.
وقف الشاب، يلهث، جسده يرتجف، لكنه شعر لأول مرة أنه حي بحق.
الملك الجني تقدم نحوه، وضع يده على كتفه وقال بابتسامة:
"لقد أنهيت ما لم يقدر عليه أحد. لم أكن أنا البطل هذه المرة… بل أنت."
وفي تلك اللحظة، عمّ السكون.
انتهى عهد الملك البشري… وبدأ فصل جديد، كتبه شاب كان مجرد ضحية، وأصبح رمزًا للنصر.

عن الموضوع

التعليقات (2)

منذ 7 أشهر و27 يوم
جميل
بدك غلاف للرواية يجذب العالم
انا جاهز ب ٥ دولار فقط
منذ 7 أشهر و27 يوم
مع احتراماتي و تقديري انا لا ابحث عن من ينفذ خدمة لي انا اشارك عملي و انتظر اراء و تعليقات على قصتي فقط
و مع هذا اشكرك

عن الموضوع