القارب: ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أبحروا منذ ثلاث ساعات.
أو أربع. فقد ياسين الوقت بعد عدة ساعات. الوقت في البحر لا يسير كما يسير على الأرض، يسير بالموجة لا بالدقيقة.
البرد كان في العظام.
الرضيع نام. أو صمت. في الظلام لم يستطع التفريق.
الطفلة ذات العيون الواسعة لم تنم.
كان يراها حين تأتي موجة وترفع القارب قليلاً وينكسر الظلام لثانية، عيناها مفتوحتان تنظران للماء.
المرأة التي تحمل المفتاح، سمع الأب يناديها حليمة، كانت تُحرّك شفتيها.
لا صوت. فقط الشفتان.
في البداية ظنّها تتكلم مع نفسها. ثم فهم.
كانت تدعو الله.
الشباب الثلاثة من تيزي وزو كانوا صامتين منذ ساعة.
في البداية كانوا يتهامسون. ثم توقفوا حين جاءت الموجة الأولى الكبيرة، الموجة التي رفعت القارب ثم أنزلته بسرعة أكثر مما ينبغي وسكبت ماءً بارداً من الجانب الأيسر.
بعدها صمتوا.
بعضُ الأوقات تُغلق الكلام.
سفيان كان بجانبه.
قال له في وقت ما:
«حين يكبر أمين سيسألني عن هذه الليلة.»
«وماذا ستقول له؟»
«الحقيقة.»
صمت. ثم تابع: «البحر أكبر مما يبدو على الخرائط.»
* * *
الجوع لم يكن صرخة، كان نهشاً في المعدة. ست حبات من التمر وكسرتي خبز كانت نصيب كل واحد منهم. الملابس لم تعد تحميهم، صارت حملاً ثقيلاً، مبتلة تماماً. كانوا يرتجفون بصمت، ارتجافاً جماعياً يجعل القارب كله يتهادى.
* * *
المحرك توقف في الليلة الثانية.
توقف فجأة. لا تهيئة ولا إنذار. كان يعمل ثم لم يكن.
الصمت الذي جاء بعده كان أعلى من الصوت.
المشغل انحنى على الفور. أصابعه في الآلة. حاول.
توقف.
حاول من جديد.
الموجة الثانية أكبر.
مالَ القارب.
«لا تتحركوا.»
قالها المشغل دون أن يرفع رأسه من الآلة.
لم يتحرك أحد.
البحر لا يعرف هذا.
الموجة الكبيرة جاءت من الجهة التي لا ننظر إليها.
جاءت من اليمين. رفعت الجانب الأيسر. القارب مالَ.
مالَ أكثر.
الرضيع. صرخة واحدة من الأم. أمتعة في الماء. يدٌ تتعلق بحافة.
ثم الماء البارد.
الماء دخل من كل مكان في آنٍ واحد.
ضرب ياسين بقدمَيه.
الأرض التي تحتها لا أرض. فقط الماء الأسود من كل جانب.
ضرب أكثر.
رأسه فوق الماء.
رأى القارب على بُعد متر أو اثنين، مقلوب أو شبه مقلوب، أشخاص يتعلقون بحافته.
ضرب نحو القارب.
أمسك الحافة.
يدٌ أخرى أمسكت ذراعه من فوق، الأب. سحبه. تعلّق.
«سفيان!»
نظر.
لم يرَه.
«سفيان!»
الظلام لا يُجيب.
شيء في الماء بجانبه.
يد.
مدّ يده.
لمس أصابع.
أمسك بها.
الموجة جاءت.
سحبت.
الأصابع انزلقت من بين أصابعه.
اليد ذهبت.
الماء مكانها.
«سفيان!»
«سفيان!»
«سفيان!»
الأصوات من حوله. أصوات أخرى. البحر يتكلم فوق الجميع بلغة لا أحد يُترجمها.
نظر في الماء من حوله.
ظلام.
ظلام.
ظلام.
* * *
لا يعرف كم مضى.
الوقت في الماء لا يسير. يتوقف.
تعلّق بالقارب. تعلّق آخرون. المشغل، لا يعرف متى، أعاد الحياة للمحرك. القارب يتحرك. ببطء.
الرضيع في ذراع أمه. أمسكه ياسين حتى ارتجف.
الطفلة ذات العيون الواسعة، في ذراع أبيها. عيناها مفتوحتان.
حليمة، شفتاها تتحركان.
الشباب الثلاثة.
نظر.
سفيان؟
لم يعد هنا.
* * *
الفجر جاء ببطء، لا يُعلن نفسه، يتسرب من الأفق خطاً رفيعاً يُفرّق السماء عن الماء تدريجياً.
الساحل كان هناك.
خطٌ بنيٌّ في الأبيض الرمادي.
وصلوا.
وصلوا وأصابع ياسين على حافة القارب المبللة والبرد في كل شيء بداخله وخارجه.