في بلدي اذا أردت أن تبيع منزلا او أرضا أو سيارة أو دراجة...لا بد لك من حلين: إما أن تعلن ذلك عبر الانترنيت أو أن تلجأ الى وسيط لكي يجد لك المشتري دون عناء وفي أسرع وقت. هذا الوسيط نسميه هنا ( السمسار) وعمله هو تسهيل البيع والشراء مقابل عمولة متفق عليها. وهؤلاء السماسرة يتوسطون في كل عملية بيع، حتى لو كنت تريد بيع إنسان بكل قواه العقلية!

انا لا أعرف هل لديكم في المشرق مثل هذه الكائنات أم لا؟ اذا كنتم تفتقدونها نحن مستعدين لتصديرها اليكم بالمئات والآلاف دون مقابل! او ربما نأخذ عن كل مئة سمسار ثمن خدمة واحدة وهو خمس دولارات. نعطي للموقع واحد ونفرح نحن بالأربع المتبقية. وطبعا لن نضيف تطويرات لهذه الخدمة لأننا لم نبعكم سوى بضاعة كاسدة!

أعترف هنا أني أكن كرها شديدا لهؤلاء السماسرة، لكن وقبل سنة تقريبا فكرت في بيع سيارتي فلم أجد بدا من اللجوء الى سمسار. ولأن هذه المهنة أصبحت مرتعا لكل من هب ودب فقد كان علي أن أركز في الاختيار على من سيودي لي الخدمة بشكل مناسب. وكأي شخص ذكي او يعتقد نفسه ذكيا فقد قصدت سمسارا جد محترف يمكن أن يأتيني بالزبون من تحت الأرض. صحيح أن عمولته مرتفعة لكنه معروف بإتقانه لهذه الخدمة، زد على ذلك أنه سبق لي أن أسديت له خدمة بالمجان وبالتالي سيراعي قيمة الخير والاحسان الذين تبادلناهما في الماضي...المهم اني وعدته بعمولة قدرها ألف درهم مقابل أن يبيع السيارة بالثمن الذي أريد أنا. وطبعا سيأخذ ألف درهم من المشتري الذي سيستدرجه بطريقته الخاصة الى دفع المبلغ الذي أريد...وربما يستدرجني أنا لقبول المبلغ الذي يريده المشتري.

وبما انكم هنا من عشاق أن يتم ترجمة أي شيء الى خدمات، فدعوني اقول لكم أن السمسار سيأخذ على الأقل ألفان درهم، بما يعادل مئتين وخمسين دولارا، أي ما يساوي خمسين خدمة بخمس دولارات...فخذوا الحاسبة وعدوا معي لذلك العبقري الذي هو مستعد ان يكتب عشرة مقالات مقابل خمس دولارات منطوحة. فكم وجدتم يا ترى؟ طبعا عليه أن يكتب خمسمئة مقالا، مقال ينطح المقال، اذا فرشناهم بمساعدة مليون معجب التي يضعها عبقري آخر في خدماته وكأنهم يقيمون معه في نفس العمارة! سنكون قد فتحنا جسرا بحريا بين مصر والسعودية دون الحاجة لمهندسين أو أموال وتجهيزات!

كل هذا سيحصل عليه سمسارنا المحترم وهو فارك رجليه في المقهى ينتظر أن يسلم عليه كبش مثلي ليتقن فيه الذبح والسلخ...وهذا الكبش من سيدفع ثمن المشاريب التي تعادل سبعة دولارات. أي أن ثمن الخدمة في خمسات لا تعادل السبعات التي يحلبها منا صاحب المقهى!

دعونا نكمل القصة...بعد يوم واحد فقط من الاتفاق اتصل بي السيد السمسار. واخبرني بقدومه رفقة أحد الزبائن. وفي نفس المكالمة أوصاني برفع المبلغ بشكل غير معقول أثناء التفاوض على الثمن مع الزبون. فقلت وانا أحدث نفسي: هذا أمر جيد سأطلب منه دفع هذا المبلغ لأكون مرتاحا في التفاوض لاستدراج المشتري نحو الثمن المناسب للسيارة. وفكرت بأن هذه استراتيجية رائعة في عملية البيع والشراء..وفعلا حضر الزبون رفقة الزفت السمسار. وقاما بمعاينة السيارة بشكل جيد وأنا اراقب في صمت...بعد ذلك سألني الزبون عن الثمن...تبسمت بكل ثقة وكأني الوحيد الذي يملك سيارة في هذا العالم، ونطقت بالمبلغ الذي اوصاني به حبيبنا السمسار. فكاد الزبون أن يضربني أنا والسمسار وشخص آخر كان يمر بجوارنا وذلك من شدة الغضب. ثم غادر دون كلمة وداع او بسمة، فتبعه السمسار وبقيت أنا وحيدا أتساءل ما الذي حصل؟

هذه العملية تكررت مع مشتر آخر ونفس السمسار. وانا ثابت مكاني لا أفهم ولا أحاول أن أفهم. لأني كنت واثقا من ادراكي للأمور، فأنا من أنصار: أطلب اربعين لتحصل على عشرين...لكن دعوني أخبركم أنه في المرة الثالثة تمت العملية بنجاح. طبعا اوصاني السمسار بأن أتخلى عن فكرة الثمن الخيالي وكأني أنا من ابتدعتها وليس هو. على أساس أن الزبون جاهز وقد قام هو بتجهيزه على ما يرام قبل أن نبدأ التفاوض.

أقول أن البيع تم بشكل رائع وحصلت على المقابل الذي كنت أسعى اليه. لذلك سلمت السمسار عمولته بالتمام والكمال مع كلمة شكر، فكان رد فعله غريبا للغاية، حيث أرجع لي الألف درهم وتنازل عن عمولته واعتبر أن ما قدمه لي من خدمة ما هو الا رد جميل للخدمة التي أديتها له في السابق.

هل أصبح السماسرة في بلدي مؤمنين الى هذه الدرجة؟ الجواب سأكتشفه فيما بعد، حيث عرفت أن أكبر مغفل في هذه العملية هو أنا. فأنا هو ذلك الكبش الذي يقتادونه للذبح وهو لا يدري. لأن هذا السمسار العجوز قام ببيع سيارتين بواسطة سيارتي. لذلك كان يطلب مني رفع الثمن بشكل خيالي ليضع الزبون أمام الخيار الذي يطمح له هو، بأن يبيعه سيارة أخرى قد يأخذ فيها عمولة مضاعفة سواء من البائع أو المشتري. فالزبونين قاما بشراء سيارتين من نفس نوع وصنف السيارة التي بعتها. وتم بيعهما بنفس ثمن سيارتي مع أنها كانت هي الأفضل من حيث حالة المحرك او المظهر الخارجي لذلك استعملها صديقنا كطعم يتم به تمرير مشاريع بيع مفيدة أكثر.

أرأيتم ما الذي حصل؟ هذا السمسار لو اصبح عضوا هنا لأصبح بائعا موثوقا من اليوم الأول، ولربما باع الموقع! وترككم تبيعون الخدمات في المقاهي بخمس دولار لتدفعوها في المشاريب لكي يفرح ويسعد الغرصون!

حسنا دعونا نعترف أن هذا السمسار بائع شاطر. ربما هو أمي لم يلج المدارس، لكنني متأكد أنه يتقن كتابة واستظهار رقم هاتفه الذي يصطاد به الزبائن. هو فعلا ذكي ويعرف ما يريده البائع وما يحبه المشتري. وقد وصلت براعته حد بيع خدمة بخدمة أخرى. ووضع الخدمة الأولى على الرف في انتظار المشتري المناسب ليعرضها عليه بالثمن الذي يريد وفي الوقت الذي يريد أيضا. فهل هناك شيء آخر؟ أجل هناك ما هو أهم: هو الذكاء في عرض نفسه أمام العملاء المحتملين الذين سيقصدونه لا مفر. وذلك بالعمولة المرتفعة التي يطلبها دونا عن باقي السماسرة والتي قد تصل الى ضعف ما وعدته أنا بإعطائه. وذلك ما يمنحك إحساس أنك أمام محترف لا يقبل الا بما يناسب براعته....فهل هناك أمر آخر؟ طبعا هناك ما هو أهم من الأهم. فهذا السمسار قادر على خلق علاقات طيبة مع العملاء والزبائن. فرغم الدهاء والمكر، ورغم تلك الحيل التي تبدو مقرفة، الا أنه يحاول دائما الخروج منتصرا بالحفاظ على كل العملاء لسلخهم في المستقبل...والدليل على ذلك هو أني مستعد للتعامل معه مرة أخرى.. بل وأنصح بالتعامل معه!! مادام قد باع السيارة في وقت محدد وبثمن مناسب دون أن يأخذ مني العمولة!

حسنا اكملوا انتم ما يمكن استخلاصه من رسائل تفهمونها من هذه القصة.

التعليقات (15):

elbasha ahmed بتاريخ 10/08/2018 الساعة 06:21 م:
كالعادة أقرأ جميع الفقرات وما بداخلها من سطور وما بداخلها من كلمات دون أى شرود للزهن عن الموضوع

رائع كالعادة " ايصال الفكرة بطرق ذكية "
والله لو املك عملاص فيه كتابه لاعطيته لك بالمبلغ الذى تطلبه انت

..............................................................................
ملاحظتى الهامة
رجاء عدم تغيير الصورة الشخصية للحساب أكثر من مرة " لقد رأيت لك 3 صور مختلفة "
لانى عرفتك من اسلوب الكتابة وبعدها نظرت للاسم
الصورة الشخصية للحساب اول شىء يظهر للجميع لذا حاول ان تنتقى واحدة وتقوم بتثبيتها

حاول وضع ارشيق مواضيعك فى النهاية
mourad bensaleh بتاريخ 10/08/2018 الساعة 07:08 م:
وأنا دائما أكون سعيدا بتعليقك...شكرا على الملاحظة والنصيحة كذلك
sameer naser بتاريخ 10/08/2018 الساعة 07:32 م:
بالبداية لما شاهدت حجم موضوعك نزلت لأسفل الموضوع قلت بنفسي من هذا الذي سوف يقرأ كل هذا
لكن عندما قرأت اول سطرين جذبني اسلوبك و كملت للنهاية.

ههههه و الله اضحكتني من قلبي ..اضحك الله سنك

تذكرت شخص اعرفه يحمل نفس الصفات التي تكلمت عنها و كأنك تعرفه
mourad bensaleh بتاريخ 11/08/2018 الساعة 09:22 ص:
شكرا على الملاحظة
GrashTrex بتاريخ 11/08/2018 الساعة 09:43 ص:
احسنت اخي أعجبنني أسلوبكك وومستواك اللغوي ! ِشكراا للك على الجهد الدي بدلته لكتابة هدا الكم الهائل من الكلمات
ربيع جمعه بتاريخ 11/08/2018 الساعة 10:35 ص:
انت شخص بارع ولبق كانك تحكي فيلما عربيا
احسنت يا اخي
mourad bensaleh بتاريخ 11/08/2018 الساعة 01:14 م:
أخي خالد وانا بدوري أشكرك على الجهد الذي قمت به لقراءة هذا الكم الهائل من الكلمات
mourad bensaleh بتاريخ 11/08/2018 الساعة 06:19 م:
اخي ربيع وأنت كذلك رائع...شكرا لتقييمك
عبد الرحمن الشامي بتاريخ 13/08/2018 الساعة 06:14 ص:
ضع في خدماتك ، مقالات ساخرة، عرض جميل للواقع ، وفقك الله.
ابو عبادة الصيدناوي بتاريخ 13/08/2018 الساعة 04:17 م:
شكرا اخي
mourad bensaleh بتاريخ 13/08/2018 الساعة 06:24 م:
العفو اخي..بالتوفيف
mourad bensaleh بتاريخ 14/08/2018 الساعة 02:20 ص:
اخ عبد الرحمان عملت بنصيحتك. وحضرت خدمة في الموضوع...المقالات الساخرة كنت كتبتها قبل ثلاث سنوات بشكل مكثف. عدت اليها الآن لجعل الأعضاء يسترسلون في القراءة دون ملل. خصوصا فيالمقالات الطويلة
Mostafa Hamada1 بتاريخ 14/08/2018 الساعة 05:31 ص:
في الواقع، لقد أضحكني الموقع أضحك الله ثغرك. وأشيد صراحةً بإعجابي الرائع بصاحبك السمسار ذلك :) بلغه تحياتي
Mostafa Hamada1 بتاريخ 14/08/2018 الساعة 05:32 ص:
أعتذر على الخطأ الغير مقصود فبدلًا من (لقد أضحكني الموقع) التصحيح: ( لقد أضحكني الموقف*)
mourad bensaleh بتاريخ 15/08/2018 الساعة 10:58 ص:
اشكرك أخ مصطفى

أضف تعليق

سجّل دخول لتتمكن من إضافة تعليق على هذا الموضوع.