كنت على الأرض، وتعرفون الأرض؟ مكان مزدحم بالتفاصيل الغريبة: رسائل لا تنتهي، مهام معلّقة، فواتير تعوي كالرياح. كنت أعمل، نعم، لكنني أشعر أحياناً أنني أدور في جزيرة صغيرة نائية تدعى كوكوس، كأنني نمر صغير يجري وراء فراشة، بينما أوراق الشجر تصفّق لأنّها "ملتزمة".
في لحظة صراحة مع نفسي قلت: يا رجل، الالتزام ليس أن تدور في جزيرة صغيرة. الالتزام أن تختار طريقك وتبقى فيه حتى لو قررت الحياة أن تتحوّل إلى إعصار.
ومن هنا بدأت الفكرة: ماذا لو وضعت نفسي في أكثر بيئة لا ترحم، بيئة إن نجوت منها فكل شيء بعدها يصير نزهة؟ أين؟ أين غير المشتري؟ الكوكب الذي يحب العواصف أكثر مما أحب أنا القهوة وموسيقى الجاز.
2- الاستعداد – حقيبة من قهوة وعنادة طفوليّة
لم أحزم حقيبة ملابس. لم أحضر تذكرة. المشتري لا يحتاج فيزا، يحتاج شيء واحد: إصرار ساذج.
جهزت حقيبتي:
في الجيب الأول: قهوة سوداء تكفي لتغذية طاقم فضائي بأكمله.
في الجيب الثاني: دفاتر وأقلام (من النوع الذي يتوقف عن الكتابة دائماً عند أهم فكرة).
وفي الجيب السرّي: جرعة دعابة. لأنني أعرف نفسي: إن لم أضحك وسط الكارثة، سأتحوّل إلى تمثال رخام لم تلمسه يدي مايكل أنجلو حتى.
قلت في نفسي: "يا عيوني، أنت لا تذهب إلى نزهة على الكورنيش. أنت ذاهب إلى المشتري. كن لائقاً على الأقل."
3- الوصول – أول لقاء مع العاصفة
ظهرت أمامي الكرة العملاقة، ليست كرة قدم ولا برتقالة بل وحش سماوي بقطر يبتلع ألف أرض. البرق يلمع مثل أعصاب كونية، والغيوم تتشابك مثل جيوش قديمة. هبطت. أو بالأحرى سقطت سقوطاً أنيقاً يشبه رمية قماش في غسالة على وضع العصر.
أول ما خطر في بالي: "هذا الكوكب لا يعرف المزاح. إما أن تكون ملتزماً حتى النخاع أو ستصبح وجبة سباغيتي خفيفة للعاصفة."
ضحكت قليلاً وتذكرت جاري وقلت: على الأقل المشتري صريح يكرهك مباشرة، ليس بابتسامة صفراء.
4- قلب العاصفة – درس الالتزام
بدأت أعمل. أردت أن أكتب، أن أبني، أن أختبر نفسي. لكن المشتري لا يتركك بهدوء. الرياح تصرخ في أذني: "استسلم! هذه ليست بيئتك! عُد إلى الأرض واشرب قهوتك بهدوء."
كنت أضحك وأنا أتشبّث بقلمي: "يا بني، إن استطعت أن تكتب جملة مفيدة هنا، فستعود للأرض وسأعتبرك المتنبي الجديد."
كل إنجاز صغير كان مثل وضع حجر في بناء بيت ضد الإعصار. صغير؟ ربما. لكن مع كل حجر كنت أشعر أنني أقول للعاصفة: "لن تهزميني."
الالتزام هنا لم يكن رومانسية حالمة ولا حماساً. كان قراراً مملاً لكن عظيماً يحمل شيئاً من الشيماء: أن أستمر حتى وأنا أكره الاستمرار. أن أكتب حتى ولو بدا أن كل كلمة ستتطاير في الرياح.
5- لحظة السقوط ثم النهوض
في منتصف الرحلة انهرت. الريح أقوى، الأوراق تتطاير، وأنا نفسي كنت على وشك أن أستقيل من كوني إنساناً.
جلست، وضحكت ضحكة قصيرة مرّة، وقلت: "طيب إذا متّ هنا، هل يكتبون على قبري: هلك في المشتري وهو يحاول الالتزام؟"
لكنني نهضت. ليس لأنني بطل بل لأنني عنيد، نعم عنييييد. لأنني لا أحب أن تضحك العاصفة عليّ آخر الأمر.
وهنا، أدركت شيئاً: الالتزام يا دون كيخوتيه زمانك ليس بطولة هو ببساطة أن تنهض عدد مرات أكثر من مرات سقوطك.
6- العودة – الأرض كما لم أرها من قبل
عدت إلى الأرض. نفس البيوت. نفس الشوارع. نفس القهوة التي تبرد بسرعة وتُشرب مجاملة (مع أني أستلذ بشربها باردة حتى النخاع). لكن داخلي؟ لم يعد نفسه.
كل مهمة صغيرة صارت عندي لعبة. كل عائق صار مجرد هواء مقارنة بما واجهته. حتى الانتظار على نار الصقيع صار عندي مثل استراحة شاي.
كنت أحمل في داخلي أثراً: بقعة زرقاء صغيرة تشبه تلك العاصفة القديمة على المشتري. أثر الالتزام. أثر أنني لم أهرب عندما صرخ كل شيء من حولي: "كفى!"
7- الدرس الأخير – الاستبيان الكوني
الرحلة لم تكن عن الفضاء. كانت عن العمل عندنا نحن البشر الذين نترك كثيراً قبل أن نحصد.
الاستبيان الذي عدت به بسيط:
هل تستطيع أن تضحك وأنت وسط الإعصار؟
هل تستطيع أن تكمل عملك حتى عندما لا تشعر بأي معنى؟
هل تفهم أن الالتزام ليس أن تنطلق بل أن تكمل رغم التعب والخوف وحتى الرعب؟
من يجيب بنعم عاش تجربة المشتري ولو لم يغادر سريره. ومن يجيب بلا لا بأس، فليبدأ غداً بمحاولة صغيرة.
8- الخاتمة – حكمة ودعابة
تعلمت أن النجاح ليس أن تصل للقمة بل أن تبقى واقفاً بينما الرياح تحاول إسقاطك. وأن الالتزام يشبه الحب: إن لم تُجدّد عهدك به كل يوم، يذبل.
ضحكت وأنا أكتب الخاتمة: "يا رجل خرجت من المشتري بفلسفة عظيمة ومع ذلك ما زلت أنسى دفع الفواتير!"
وهكذا، انتهت رحلتي إلى المشتري. ليست قصة عن الفضاء بل عن الالتزام. عن أن تضحك قليلاً، تصبر كثيراً، وتعود للأرض وأنت تعرف أن كل شيء صار ممكناً.
9- ما الذي تعلّمته عن نفسي على المشتري؟
أولاً اكتشفت أنني كائن أعقد مما توقعت. أنا مزيج من طفل عنيد يرفض النوم، وفيلسوف يكتب ملاحظات على هوامش الكون، وممثل هزلي يعرف أن النكتة أحياناً تنقذ أكثر من أي نظرية.
على المشتري فهمت أنني لا أحتاج أرضاً ثابتة لأقف عليها. يكفيني أن أقول: "سألتزم"، ثم أتشبث حتى لو كانت الرياح أقوى من كل منطق.
وتعلمت أيضاً أنني لا أحب العظمة الخالية من الضحكة أو الفكاهة. فما قيمة أن تكون سوبرمان إذا لم تعرف كيف تضحك على نفسك عندما تسقط؟ الالتزام ليس أن تجرّ نفسك بصرامة حديدية بل أن تقول: "نعم تعبت، نعم كرهت، لكني سأكمل، وسأضحك بيني وبين نفسي لأجل العناد فقط.
أدركت أنني إنسان عادي جداً لكنني عندما أُصرّ، أتحوّل للحظة قصيرة إلى شيء أكبر: إعصار صغير يقاوم إعصاراً أكبر أو حتى تنين من تنانين القصص الخيالية.
والأهم من كل ذلك: أنني حين عدت، لم أعد أحلم أن أصبح بطلاً تاريخياً كميخائيل تال في الشطرنج أو شاعراً خرافياً كزميلنا لوركا. كل ما أردته أن أكون رجلاً عادياً يلتزم بعمله، يضحك على تعبه، ويزرع لنفسه أثراً صغيراً، مثل بقعة زرقاء على سطح قلبه، تذكّره أنه قاوم ولم يهرب.
الخلاصة النهائية
الرحلة إلى المشتري كانت مجرد استعارة. لكن الحقيقة؟ كلنا نملك مشترياتنا الخاصة: مشاريع تتعثر، التزامات تتثاقل، أحلام تذبل. وكلنا نملك خيارين: أن نستسلم، أو نلتزم ونعود للأرض بابتسامة تقول: "أنا نجوت من عاصفتي."
فتحي غباش Fathi Ghabbash خمسات Khamsat 25 - أغسطس August - للعام 2025